‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

احذر الإحصائيات فهي ليست معلومات وتقود لاستنتاجات خاطئة!

الإحصائيات التي تنشر حول الصناعات المختلفة ومن ضمنها صناعة الألعاب كثيرة، لكن هل الاعتماد عليها سيكون في صالحك؟ الإحصائيات هي بيانات وليست معلومات. وهناك فرق كبير بين الاثنين، البيانات مجرد أرقام أما المعلومة فهي استنتاج تبنى على التحليل والفهم بأصل العلم المتعلق بهذه الإحصائية. إن لم يكن لديك خبرة في المجال فلن تتمكن من قراءة هذه البيانات بالشكل الصحيح. وقد تقودك البيانات إلى استنتاجات خاطئة تؤثر بشكل سلبي على قراراتك.


كيف يقرأ العالِم أو الخبير الإحصائيات بشكل مختلف عن بقية البشر؟


فللنظر إلى هذه الإحصائيات الخاصة بلعبة دوتا آخر ستة أشهر (لا تقلق إن كنت لا تعرف أي شيء عن هذه اللعبة؛ فاللعبة نفسها ليست موضوعنا) والمأخوذة من موقع DOTABUFF


ستجد أن شخصية Omni Knight تتصدر نسبة الفوز إلى الخسارة بقيمة 60 بالمئة. أي أن هذه الشخصية تفوز 60 بالمئة من مباريات اللعبة. بينما الشخصية الأخيرة IO فهي تفوز فقط 37% من المباريات. وتخسر 63%. نسبة خسارة كبيرة جداً! قد يتبادر هنا للبعض: إذاً الشخصية الأولى أفضل وعلي اختيارها حتى أفوز أكثر (وهذا صحيح لحد ما لكنه خاطئ بالمطلق) لكن هل هذا يعني أن هذه الشخصية أفضل أو أقوى بكثير من الأخيرة؟؟
ماذا إن قلت لك أن هناك إحصائية أخرى تقول أنه في المباريات الاحترافية فإن شخصية IO يتم اختيارها بنسبة أكبر من نظيرها Omni Knight ؟ ليس هذا فحسب بل يتم كثيراً ما يتم منع اختياره خوفاً من تأثيره في المباراة! (من قوانين المباريات الرسمية أحقية كل فريق بمنع 5 أبطال(شخصيات) من اللعبة قبل كل مباراة)
حسناً وجود بيانات جديدة ذات صلة، يعني وجود معطيات جديدة. من الممكن الآن تغيير الاستنتاج. قد يقول البعض أنه ربما لعب هذه الشخصية صعب جداً على اللاعب العادي ولكن المحترفين يسهل عليهم اللعب بها. (مرة أخرى: هذا صحيح إلى حد ما ولكنه خاطئ إذا أخذ حرفياً)
إذاً عند وجود إحصائية أخرى قد يتغير الاستنتاج ونصل لمعلومة جديدة لا تتفق مع القديمة.

لكن جميع من يلعب دوتا يعلم أن هذا ليس دقيقاً فالشخصية لا تعد من الشخصيات "الصعبة" هناك شخصيات يصعب إتقانها ونسبة فوزها أكبر مثل Invoker - Visage - Earth Spirit كما أن إتقان الشخصيات يعود لعقلية اللاعب وطريقته في اللعب ولذلك يمكن الاختلاف بسهولة حول هذه النقطة.
إيرث سبيريت: يحتاج دقة وتوقيت دقيق وخبرة كبيرة ليقدم أفضل ما لديه

كوني أمتلك خبرة كبيرة في هذه اللعبة، أستطيع القول بثقة أن السبب في نسبة الخسارة المريعة لهذا البطل المدعو IO هو احتياجه لتواصل مستمر مع اللاعب الآخر، لن أدخل بتفاصيل قد لا تهمك في اللعبة لكن طريقة اللعب المميزة لهذه الشخصية وهي أن "تربط نفسك" بلاعب آخر وتنقله إلى أي مكان في الخريطة وتقدم له الدعم (العلاج والمانا) يجعل التواصل الشفوي المستمر تسمح للاعب أن يقوم بما لا يستطيع القيام به مع شخصية أخرى.
"أهجم معي ما يكفي من العلاجات - دعنا نظهر فجأة خلف دفاعاتهم ونقتلهم من حيث لا يتوقعوا وثم نعود للقاعدة قبل أن يتمكن فريقهم من المجيئ" - إذ لا يمكن أن تشعر بالثقة وتقوم بمجازفات كبيرة ناجحة (والتي تعني الحصول على الكثير من الموارد ثم الفوز) إلا بهذا النوع من التواصل! وبالطبع نسبة كبيرة من المباريات لا تكون لفريق كامل بخمسة أعضاء أي أنه لن يحصل هذا النوع من التواصل مع كل أعضاء الفريق.
حسناً شخصية Enchantress مثلاً لديها نسبة فوز لا تتعدى 41% بالمئة، هل لنفس ذلك لنفس السبب ؟ بالطبع لا، وهي من الشخصيات التي يقل اختيارها في المباريات العالمية، وتحليلي الشخصي (المختصر) هو أن هذه الشخصية مناسبة لأوضاع معينة ومحدودة، وتصلح لمجابهة شخصيات معينة في اللعبة.

ماذا نستنتج؟

1- "المعنى المباشر"المفهوم من صياغة الجملة التي تتحدث عن إحصائية قد لا يكون هو المعنى الصحيح في كثير من الأحيان. (بل ربما غالباً)
2- أحياناً يمكن الوصول إلى استنتاج قريب من الصواب، لكنه كالنظرية العلمية يكون أقرب إجابة للواقع لكنه ليس الواقع في الحقيقة. ويمكن أن تطبق استنتاجك وتحصل على نتائج تثبت استنتاجك مما يدفعك لأن تؤمن أكثر بأن نظرتك هي الصحيحة بالرغم من كونك على خطأ. (بالعودة لمثالنا السابق لو استنتجت أن Omni Knight أفضل من IO وأصبحت تأخذ الشخصية الأكثر فوزاً كشخصية دعم بدلاً من IO ولاحظت أن نسبة فوزك بدأت ترتفع، ستقول لنفسك : "إذاً كنت على حق!" لكن هذا لا يعني أن استنتاجك صحيح)
3- العالم بالمجال يستطيع قراءة نفس المعطيات والخروج بنتيجة مختلفة وأفضل غالباً من محلل ليس له علم بالمجال.


إحصائيات كاملة، ولكنها غير كافية!


دعنا نأخذ مغالطة أخرى تحصل كثيراً عندما يقوم أحد الخبراء بتحليل البيانات وإطلاق نتائج حولها. فقبل قليل تحدثت كيف يمكن أن يكون عندك نقص في الإحصائيات وبالتالي تتوصل لنتيجة خاطئة، لكن ماذا لو كانت الإحصائيات التي تملكها حول الموضوع كاملة؟ من الممكن أن تحصل على إحصائيات كثيرة ولكن كونك لست خبيراً بالموضوع فستتوصل لاستنتاج خاطئ بغض النظر عن عدد الإحصائيات أو البيانات التي تملكها!
فمثلاً:
عندما تدخل Twitch فستجد أن عدد مشاهدات البطولة للعبة LOL أكثر بكثير من لعبة DOTA. تخيل أنك تريد الإعلان عن منتجك ولديك ميزانية تكفي لأحد البطولتين فقط. من الطبيعي جداً أن تختار LOL وقد تحصل على أرباح أكثر من DOTA في حال كان الإعلان بالتنسيق مع Twitch (ولهذا قد يظن أن نظريته صحيحة). لكن ماذا لو كان الإعلان مثلاً سيتحدث حوله المعلّق (Commentator) بين الجولات؟ من يعرف اللعبة يعرف أن كثير ممن يتابع المباريات يفعل ذلك من داخل اللعبة، وهذا يعني أن العدد الكلي للمتابعين لدوتا ليس محصوراً في Twitch فقط فهناك عدد أكبر ربما يتابع المباريات من داخل اللعبة. وبالطبع العدد الكلي للمتابعين يحتاج لإحصائية أخرى. حتى لو كنت متخصص في الإعلانات ولديك إحصائيات ودراسات تفصيلية قدمها لك Twitch تحتوي كل صغيرة وكبيرة حول الجمهور وكيف ومتى وأين يتابع المباريات. إلا أن عدم معرفتك بوجود زر يسمح لك بمتابعة اللعبة من الداخل (وربما بميزات أكثر وجودة أفضل) سبب لك مشكلة قد تشعر أو لا تشعر بها!


الصناعة تتأثر بطريقة "غبية" بالإحصائيات!


ربما سيكون هناك حديث آخر مطوّل عن كمية الأخطاء الكبيرة التي تقوم بها الشركات بناءً على استطلاعات الرأي والإحصائيات التي تقرأ بشكل خاطئ. ولكن سأتحدث هنا بشكل عام. نعم؛ من يقرأ هذه الإحصائيات قد يكونون من الخبراء أو قد لا يكونون (وأنا متأكد أننا سنتفاجأ بكميرة كبيرة ممن بيدهم القرار والذين يجهلون المجال) ولكن حتى الخبراء، قد يكونون خبراء في التسويق والنشر ويعملون في شركات ألعاب. وهذا ما يجعلهم ينجحون تارة. ويخفقون تارة أخرى(كما في مثال Twitch فإن هذا الخبير قد ينجح لأنه وضع الإعلان لمتابعي لعبة LOL وهم أكثر بالصدفة فحتى لو أضفت متابعي DOTA من داخل اللعبة لما زاد عددهم على متابعي LOL) وبالتالي فإنه نجح بالرغم من اعتماده على احصائيات كان من الممكن جداً أن تخونه.
رايان كلارك - وهو مطور ألعاب قدير طور عدد من المشاريع التجارية ومنها لعبة Crypt of The Necro Dancer والتي حققت مبيعات كبيرة- تحدث في مقاله عن عدد من المفاهيم الخاطئة حول صناعة الألعاب. والتي سأقتبس منها هذا الجزء المتعلق بالإحصائيات.

يقول كلارك:
"أولاً؛ مالذي يمثله هذا الرسم البياني حقاً؟ الخط البرتقالي يمثل عدد المبيعات التي باعتها لعبة صدرت في شهر معين. الانحدار مرعب! فنحن لا نريد لإيرادات الألعاب أن تتدهور هكذا. لكن عموماً، هناك عاملان مضللان يعملان هنا:
1- إذا نظرت إلى لعبة صدرت هذا الشهر فإنها لن تكون قد حصلت على وقت كافي للبيع. بينما الألعاب التي صدرت العام الماضي حصلت على 12 شهر إضافي من المبيعات. إذاً هذا النوع من الرسم البياني (الخط البرتقالي) دائماً سينحدر باتجاه الأسفل.
2- عندما نضيف المزيد والمزيد من الألعاب، سيمكنك أن ترى انخفاض كبير في الخط البرتقالي مع نهاية عام 2013. لكن هذا منطقي. إذا أضفت الكثير من الألعاب التي لا تبيع إلا بعدد قليل. فإن متوسط المبيعات سينخفض بشكل طبيعي! هذه النتيجة ليست مفاجئة." - انتهى الاقتباس


احذر عند استخدام الاحصائيات في مشروعك!


المطلوب هو الحذر وليس الامتناع عن الإحصائيات. بل هناك أنواع من المشاريع لا ينجح بدون قراءة وتحليل الإحصائيات بالشكل الصحيح. لكن عندما ترى أن عدد كبير من اللاعبين يخسرون في المرحلة الثالثة، لا يجب أن تغير المرحلة أو تقوم بتسهيلها مباشرة، فقد يكون هناك إحصائية أخرى تشير لأن معظم اللاعبين يقومون بتخطي مرحلة التدريب (Tutorial) التي يتعلم فيها اللاعب المهارة أساسية لفوز المرحلة الثالثة. عندها ستحتاج لحل مختلف، ولن يفيدك جعل المرحلة الثالثة أسهل.
في النهاية أختم بنصيحة كلارك حول الإحصائيات في نفس المقال:
"رسوم بيانية كهذه مثيرة للاهتمام ومفيدة. من الأفضل دائماً الحصول على المزيد من المعلومات! لكن تأكد أن تفكر عما تمثله الرسوم حقيقةً، وما هي العوامل الخارجية التي قد يكون لها تأثير، قبل أن تعتمد أية استنتاجات."

الأربعاء، 29 يونيو 2016

مالذي يجعل اللعبة العربية عربية؟

قبل بضعة أيام قرأت هذه التغريدتين على تويتر:



 أثارني موضوع التغريدة بشكل كبير، وجعلتني أفكر طويلاً، وكنت أريد أن أعطي رأيي لكني وجدت أن الموضوع ليس بسيطاً بالمرة، مالذي يجعل الشيء عربياً؟ قد يقول البعض اللغة العربية، هذا مفروغ منه وليس هذا المقصود. عندما كتبت أول مقال على زاش بعنوان العربية في الألعاب: اللغة أم الثقافة. تحدثت بشكل عام عن تأثر الألعاب بالثقافة، وكيف أن الثقافة هي ما يصنع الفرق وليس المفردات اللغوية، وذكرت أمثلة من رأسي لم تكن لتشفي غليلي لألعاب بثقافة عربية في نهاية المقال. فالثقافة ليست مجرد فن، الثقافة خليط من الفن، والعادات، والمعتقدات، والأخلاق، والقيم. نعم من السهل صناعة ألعاب عربية وبها موسيقى وفنون عربية وزخارف أندلسية. الركاز مثلاً حققت هذا الأمر لكن طريقة اللعب لم تكن عربية، البطل فارس "هوليوودي" بامتياز؛ طريقته في إلقاء النكات وطريقته في الكلام نجد الكثير مثلها في السيناما الأمريكية -وقد ذكرت ذلك في مراجعتي للعبة-. الحجاب، واللباس المغربي، والأسواق الشعبية كانت تعبر قليلاً عن الثقافة العربية لكن طريقة اللعب لم تعبر كثيراً عن "ثقافتنا"

كيف تؤثر الثقافة في طريقة اللعب؟ مفهوم يصعب شرحه وللأسف لست أفضل من يجيب عليه، وربما سأحاول مناقشته يوماً ما. لكن دعني أستشهد بفيديو خرافة السلاح الناري. والذي تحدث فيه فريق إكسترا كريديتز حول تأثير الثقافة الأمريكية على الألعاب، وكيف ارتبط مفهوم "الحرية الشخصية" بإنتاج ألعاب كثيرة لمقاتل يحمل سلاحاً نارياً -والحرية الشخصية أهم المفاهيم الأمريكية في نظري مما ذكر عبد الله في التغريدة-. بينما في المقابل في الألعاب اليابانية لم يكن للسلاح الناري نفس المفهوم إن وجد، وحتى لا أعيد نفس الكلام في الفيديو أترك القارئ لمشاهدته إن رغب.

الذي ذكره عبد الله حامد في التغريدة، معظمه من ضمن "القيم": الحرية - الرأس مالية - السعي وراء السعادة هي مجموعة من القيم لدى الشعب الأمريكي. أما التمرد على السلطة عادة يكون نتيجة لقيمة الحرية الشخصية، وهو بكل تأكيد أكثر الشعوب تعظيماً لهذه القيم (هذا لا ينفي وجود شعوب أخرى تقدر هذه القيم ولكن بنسب أقل، على سبيل المثال في معظم أوروبا نجد فكر الشعب فكر اشتراكي مقارنة بالأمريكي لكنه رأس مالي مقارنة ببعض الدول العربية)

إذاً مالذي يجعل الشيء العربي عربياً؟
 قبل الإجابة على السؤال يجب توضيح بعض الملابسات والتي هي غاية في الحساسية. حيث أنه في الحالة الأمريكية كان من السهل الإجابة عليه (على الأقل من وجة نظر عبد الله) كونها دولة حديثة أولاً، فكونها حديثة المنشأ جعل من السهل حصر بعض القيم التي ساهمت في تكوين هذه الدولة بالصورة الحالية. ثانياً؛ كلمة "عربية" هي لغة وليست دولة، ويسهل الإجابة على السؤال لدولة واحدة لها شعب واحد يشارك قيم واحدة نظراً لأن تاريخهم واحد.
 لذلك يجب أن أمر على ثلاث نقاط وسأحاول أن لا أغوص طويلاً في موضوع متشابك كهذا:

1. انتشار "العروبة" وانحسارها

من السهل الحديث عن الثقافة الاسكتلندية أو اليابانية لأن أبناء متحدثو هذه اللغة معظمهم أبناء دولة واحدة، ولكن من الصعب الحديث عن الثقافة الإنجليزية كونها لغة يتحدث بها عدد من الدول مثل بريطانيا، وأستراليا وأمريكا، وكندا وكل منهم لديه ثقافة مختلفة لأنهم من دول مختلفة.

 إن عدنا للتاريخ لوجدنا أن معظم الدول العربية، ليست عربية بالأصل، العرب كعرق كانو يتركزون في جزيرة العرب بشكل أساسي، وكان هناك نسبة جيدة منهم أيضاً في الشام والعراق، هذا قبل الإسلام. مع الفتوحات الإسلامية اعتنق الكثير من دول شمال إفريقيا الإسلام، ونتيجة لاحتكاكهم المباشر مع العرب والرغبة في تعلم القرآن الكريم، أصبح الكثير يتحدث اللغة العربية مع مرور السنوات. وفي ذلك الوقت طرح نفس السؤال الذي هو لب الموضوع الذي أتحدث عنه: مالذي يجعل العربي عربياً؟ وكان المقصود الشخص، أما أنا فأتحدث عن مفهوم يشمل الشخص والفن. في ذلك الوقت أجاب علماء الشريعة بأن كل من يتحدث اللغة العربية هو عربي، وبذلك تم إلغاء مفهوم العرب كعرق وأصبح العربي هو أي شخص يتحدث اللغة، وخاصة بعد مجيء الخلافة العباسية والتي كانت بعكس الخلافة الأموية ليس لديها أي تعصب للعرب وللغة العربية.

ليس هذا فحسب، عندما جاء الاستعمار أصاب جميع الدول العربية تقريباً -باستثناء المملكة العربية السعودية ومناطق قليلة أخرى لم تستعمر- ولاء ثقافي للمستعمر حتى بعد أن خرج المستعمر منها، وخاصة الدول التي أطال الاستعمار بقاءه فيها مثل الجزائر، وواضح ولاءهم الثقافي لفرنسا حتى في أبسط الأمور مثل الطعام واللباس. في سوريا مثلاً فكر الشعب اشتراكي (حتى الأشخاص الذين سيقولون لك أنهم يكرهون الاشتراكية؛ كشخص سوري أضمن لك أنك لو ناقشت الكثير في مفاهيم الرأس مالية ستجدها غير موجودة أصلاً، حتى أبسط الأمور مثل فكرة أن الشركات هي من تؤسس البنية التحتية في أمريكا، كالهاتف والطرق ستثير الاستغراب لدى البعض، وكثير من المسؤوليات هي على عاتق الدولة وكأنها مسلمات)

لذلك نجد بعض العادات المشتركة بين أهالي الشام والعراق والسعودية أكثر من الدول الأخرى، مثل استضافة المسافر 3 أيام قبل سؤاله حاجته أو طلب المزيد من القهوة عن طريق هز الفنجان، وإن كان ربما بعض هذه العادات انتقل لدول عربية أخرى لست بصدد تقصيها الآن، ولكن العادات المشتركة بين هذه الدول أكثر من غيرها، كون العرق العربي الأصلي يتركز أكثر في هذه المناطق. أما الاختلافات فهو بسبب أنظمة الحكم المختلفة والولاء الثقافي لدول خارجية.

هذا التقسيم وهذه الاختلافات التي أدت لوجود اختلاف ثقافي جذري، جعل من السهل أن أقول مالذي يجعل السوري سورياً، ولكن من الصعب أن أجيب على مالذي يجعل العربي عربياً. مثلاً أحد علامات الثقافة السورية هو الاكتراث السياسي، إذا قارنتها بدولة أخرى مثل السعودية (كوني أعرف الكثير عن الثقافتين) أجد أن الاكتراث السياسي في الثقافة السعودية يكاد لا يكون موجوداً. حتى عند الحديث في السياسة غالباً يتم الحديث عن قضايا داخلية فقط وتهم المجتمع، مثل الفساد، والتطوير، وحقوق المرأة. ومن النادر أن تجد الدراما السعودية تتحدث عن قضايا سياسية، بينما في الدراما السورية نجد ذكر القضية الفلسطينية وسجن جوانتانامو، وغزو العراق، وإجرام أمريكا. وفي المسرح السوري نجد تلميحات لهيمنة الطائفة العلوية على النظام، بل معظم الأعمال المسرحية السورية ربما تحت إطار "المسرح السياسي"، لا أذكر أنني شاهدت مسرحية سورية لا تتحدث عن السياسة وهذا الأمر منذ الثمانينات وليس جديداً. حتى في اليوتيوب نجد البرامج الساخرة السعودية عادة لقضايا داخلية، بينما البرامج الساخرة السورية تتحدث عادةً عن الدول والمؤامرات والثورات، حتى أنه مؤخراً تم انتقاد أحد البرامج التلفزيونية التي صورت اللاجئ السوري (وإن كان هذا لخدمة قضيتهم) ولكن البرنامج لم يتحدث عن الجلاد (أي النظام السوري) وهذا الأمر -في الثقافة السورية- غير مفهوم ويعتبر تورية للحقيقة! إذ لا يمكن الحديث عن قضية دون الحديث -عادةً- عن تبعياتها السياسية.

الأمثلة لا حصر لها، وما أريد قوله هو أن هناك اختلافات جذرية بين الثقافات العربية حتى المتقارب منها.

2. هل ثقافتنا قديمة؟

عندما نتخيل لعبة عربية عادة ما نتخيل شيء من التراث القديم؛ ركوب الخيل وسباق الإبل، الخيام والسيوف، أو حضارة الأندلس والخلافة الأموية والعباسية، وإن اقتربنا سنصل للبادية التي كانت موجودة قبل خمسين إلى مئة عام. إلا أن هذا لا يعني أن ثقافتنا قديمة، فلا يوجد شعب ليس له ثقافة وبالتأكيد نحن لا نعيش في ذلك الوقت، إذاً لماذا نربط ثقافتنا الحالية دائماً بذلك الزمان؟ من وجهة نظري هناك تفسيرين لذلك:

أولاً: بالنظر إلى النقطة التي ذكرتها آنفاً عن انتشار العروبة، فربما نحن لم نجد أشياء مشتركة بين العرب إلا الأشياء القديمة التي كانت مختصة بالعرق العربي قبل أن تختلط مجموعة من الأعراق المختلفة ويطلق عليها اسم عربي. أما حالياً وخاصة بعد الاستعمار ووجود أنظمة حكم مختلفة جذرياً فربما نحن فعلياً نعيش ثقافات مختلفة بل حتى اللغة لم تعد لغة واحدة وأصبح من الصعب أن نفهم حديث بعضنا بعضاً.

ثانياً: الإنتاج الفني الضعيف لدينا، نتيجة الأنظمة القمعية والرديئة التي نعيشها (وهو موضوع يطول نقاشه ولكن لتقريب الصورة: إذا نظرنا لهرم الاحتياجات البشرية نجد أن الكثير من العرب يعاني لتحقيق أول درجتين من الهرم، الطعام ثم الأمان الوظيفي والجسدي، أما الطبقة الثالثة والاستقرار العائلي فهو حلم لدى الكثير،وقد ينفق نصف عمره لتحقيقه، ولذلك في الفترة الحالية نجد الكثير من المبدعين من الدول التي تحقق مستوى معيشي جيد مثل دول الخليج، فلديهم إنتاج نلمسه في اليوتيوب مثلاً أكثر من بقية الدول العربية، لأن أدمغتهم مرتاحة وحققت الطبقات الأولى من الهرم ووصلت لمرحلة الإبداع)



لكن حتى في دول الخليج الإبداع كان إبداع في مجالات عديدة، لكن المستوى الفني لا يزال ضعيف، فهناك هيمنة قوية على الإعلام، وهو موجه لبث أفكار معينة في المجتمع، مما ينتج عنه فن غير صادق ولا يلهم أحداً، أو بروباجاندا ولا يعبر عن ثقافة المجتمع، فهو يحاول دائماً تغيير الثقافة وليس تمثيلها، لو نظرنا في الدراما المحلية لوجدنا أن معظم المسلسلات تعرض شخصيات غير شائعة في المجتمع، وعندما يناقش الكاتب قضية تهم المجتمع فهو يناقشها كموضوع وليس كشعور وبدون رغبة لأن يعبر عما يدور في خلده. ربما هدفه هو بث أفكار يؤمن بها أو طرح موضوع يثير النقاشات والجدل ليزيد عدد المشاهدين. أضف لذلك العولمة والتي لها دور كبير في طمس الهوية العربية، والمشكلة طبعاً ليست في العولمة بل بضعف الإنتاج الفني والذي يجعل الناس تعزف عن متابعة الفن المحلي. فمثلاً بالرغم من العولمة الثقافة اليابانية متميزة عن الثقافة الأمريكية لأن الإنتاج الفني لديهم صادق ويغذي بعضه بعضاً. أما الفن العربي يحتاج تغذية من مصادر أخرى خارجية لأن معظمه لا يلهم أحداً! ويزداد هذا الأمر في الألعاب خاصة، لأنه يكاد يخلو من الذكر أي نوع من الإنتاج الفني العربي للألعاب، ولذلك عندما نقوم بتصميم ألعاب من الطبيعي أن نستلهم من ألعاب بثقافة غير عربية، لأنها ببساطة غير موجودة.

3. إسلامية أم عربية؟

من المهم جداً أن لا نغفل عن هذه الحقيقة، وهي أنه ليس لدينا مخزون ثقافي كبير قبل الحضارة الإسلامية، العرب لم يكن لديهم الكثير قبل الإسلام، كان معظم العرب مجرد قبائل متناحرة تغزوا بعضها بعضاً للاستيلاء على قطعان الغنم والإبل. ما لديهم من تراث نقل معظمه إلينا عن طريق الشعر، أما باقي مظاهر الفن فكانت قليلة ومنحصرة في أماكن قليلة متحضرة، مثل مدائن صالح على سبيل المثال. قد يحاول البعض نفي علاقة الدين بالفن ولكن هذا ليس إلا سذاجة وجهل بالتاريخ، في الحقيقة الفن له ارتباط وثيق بالدين في معظم الأزمنة، فجلّ ما نعرفه عن الحضارة الفرعونية مرتبط بدينهم، سواء كانت رسوماتهم أو تماثيلهم أو مبانيهم. الأدب الإسلامي يختلف عن الأدب العربي الجاهلي حتى في الأمر الذي تفوق فيه العرب: الشعر. ثم كان هناك اهتمام كبير بالخط العربي، والزخارف التي لا نزال نراها إلى اليوم. ثم انتشر مجموعة أخرى كبيرة من الفنون في شتى المجالات في عصور رخاء الدول الإسلامية.

حتى الروايات التي تصنف ضمن الأدب الإسلامي، قرأت منها بعض روايات نجيب الكيلاني، هي ليست في الحقيقة دعوة إلى الإسلام أو عرض لمفاهيمه، هي مجرد روايات عادية ولكنها بأفق إسلامي، وتتحدث بصدق عن قصص لا تحدث إلا في مجتمع إسلامي. البعض يتخيل أن الأدب الإسلامي هو فقط التغني بالإسلام، لكن في روايات نجيب الكيلاني وجدت أنه أحياناً يتحدث عن مجرمين أو عادات سيئة لدينا، لكن طريقة العرض والمفاهيم التي ذكرت قد لا يفهمها إلا المسلمين. كمثال طرأ على رأسي: إن طلق الشخص زوجته ثلاث مرات ورغب بالعودة لها لكنه لا يستطيع، قد لا يفهم غير المسلم لم هو "لا يستطيع". عموماً إذا كنت تريد صورة أوضح للفرق بين الأفق الإسلامي والموضوع الإسلامي فإن دكتور مختص بالأدب سيشرحه أفضل مني بكثير.

في الثقافات الأخرى مثلاً يمكن تأليف قصص خيالية عن آلهة، ,وكثيراً ما نجد ذلك في الألعاب، ففي لعبة Dungeons of Dredmor يوجد "إله المهمات"، لا أريد القول أن هذا الأمر ليس مقبولاً في ثقافتنا فحسب، إلا أنه عادة مفهوم الإله لدينا مرتبط بالتوحيد أولاً؛ وثانياً فإن كلمة إله في أذهاننا تعني شيء عظيم حكيم قادر على كل شيء، ومفهوم الإله الضعيف أو المحدود بوظيفة معينة غير موجود لدينا وإن وجد فهو مستمد من ثقافة غربية. الإله في ثقافة الغرب ممكن أن يكون له خاصية واحدة لكنه متميز فيها حتى لو كان إله اللعب. هذه الثقافة مستمدة منذ القدم من قصص الإغريق، والتي كانت تمثل في المسارح الإغريقية ومن ثم أصبحت معتقدات. فحتى لو أن شخصاً أراد التجرؤ على الخالق سيبقى مفهوم التوحيد موجوداً إلا إن استمد فكرة تعدد الآلهة من ثقافة الغرب.

لو بحثنا المفارقات التي حدثت على ثقافة العرب والمنطقة بسبب الدين الإسلامي لطال الحديث، وأعتقد أن هناك كتب كاملة تتحدث حول هذا الموضوع، باختصار ما أريد أن أرمي إليه هو أن كثير من مفاهيمنا ورؤيتنا للحياة وفنوننا مرتبطة بشكل كبير بالثقافة الإسلامية، أكثر من ارتباطها بتاريخنا العربي، حيث أن لب الحضارة في المنطقة العربية كان تحت ظل الحكم الإسلامي، ولا يوجد في المنطقة حضارة عظيمة يمكن أن تقارن بحضارة روما إلا الحضارة الإسلامية. (سيختلف معي البعض في إشارة للفراعنة لكنني لا أعتبرها بحجم الحضارة الرومانية)

الكثير من الدول الأخرى لها تاريخ مرتبط بالعرق، الإنجليز والهنود والصينيون، أما نحن فلو حاولنا الحديث عن تاريخنا وتراثنا العربي بغض النظر عن قضيتنا الإسلامية لعلنا لم نستطع ذلك إلا بالعودة لماض غير حضاري أو ممالك متحضرة لكنها صغيرة وليس لديها إنجازات كبيرة. التراث الإسلامي مرتبط ارتباط وثيق بهويتنا وطريقة تفكيرنا ولعل هذا أبرز ما يسبب صعوبة أن نسأل سؤالاً مثل مالذي يجعل الشيء عربياً.

خلاصة: مالذي يجعل الشيء العربي عربياً؟

لما تقدم؛ من الصعب حصر الأشياء في الثقافة العربية بدون النظر للنقاط التي ذكرتها، ولكن هذه بعض الأمور التي نشاركها في المنطقة، وأذكّر أن هذه قد لا تكون نظرتي الشخصية للأمور لكن أشعر أنها "ثقافة المنطقة":

1- التوحيد؛ أو على الأقل النظرة اللا مادية للحياة.
2- الكرم. الكرم بمفهومه العربي مختلف تماماً عن الثقافات الأخرى. حتى الثقافات الإسلامية الشرقية مثلاً.
3- الروابط الأسرية القوية. وهي في الحقيقة شيء لابد من وجوده في معظم الروايات والشعر العربي. أمر شبه مفقود في الأفلام الأمريكية، بل على العكس في رواية مثل the secret garden تجد تصوير لضعف الروابط الأسرية مع أن الرواية تتحدث عن أسرة راقية (لكن بالمقارنة لدينا تجد أنها مفككة) فمثلاً وضع الأب أو الأم في دار للعجزة يعتبر عمل عادي أو جيد لدى الغرب ويعتبر من العقوق لدينا (لست هنا لأحكم لأن كل حالة يجب أن تؤخذ على حده، لكن هذه النظرة العامة) وكذلك قل ما تجد لدينا أشخاص مشردين، إذ لا يمكن للأخ - أو حتى ابن العم عادة- أن يترك أخاه ينام في الشارع حتى لو بيته من غرفة واحدة.
4- الغيرة على المحارم (صحيح أن CJ في لعبة GTA دفن شخصاً حياً لأنه تحرش بأخته، لكن بالتأكيد النظرة العامة لدينا مختلفة تماماً)
5- تقديس السلطة (والخوف منها؟): في معظم الدول العربية، للسلطة هيبة كبيرة، والناس تحب هذه الهيبة(حتى معارض السلطة يريد سلطة أخرى ولكن لها هيبة) من غير المقبول أن يخرج الرئيس بقميص غير رسمي وأن يقدم محاضرة كوميدية كالتي يمكن أن يقدمها رئيس أمريكي، هذا الأمر بشكل عام ينقص من احترام الرئيس ولا يزيد في احترامه.

الأربعاء، 17 أغسطس 2011

الإنسان أكثر سعيدة قديماً أم حديثاً؟


الإنسان الأكثر سعادة هل هو الإنسان القديم أم الحديث؟

لنأتي أولاً وقبل أن ندخل بالموضوع, فنسأل ما معنى كلمة"إنسان" ؟؟
نستخدم هذه الكلمة للدلالة على النقص فنقول : "كل إنسان يخطئ" أو اعذرني فأنا أبقى إنسان
بينما في بعض الأحيان نستخدم ذات الكلمة للدلالة على أن الناس كائنات عليا متفوقة فنقول عن المجرم : هذا ليس إنساناً , هذا حيوان


وكما نرى الإنسان على طراز ((داروين)) الذي تطور عن القرد هو أحد أقل الكائنات قدرةً على التنظيم, وهو شديد التأثر بالمشاعر لدرجة أنه قد يموت دفاعاً عن صديقه أو وطنه أو عن شرفه ...ولم يكن الإنسان منظماً, وربما ما توصل إليه الإنسان في العصر الحديث من قدرة على التنظيم لا يساوي جزءاً بسيطاً من التنظيم الموجود عند النحل الذي لا مجال فيه للخطأ

باختصار لا يمتلك الإنسان خاصية المناضلة لأجل الحياة, بقدر ما يمتلك من دوافع مناضلة داخلية لأجل الوطن أو الدين أو قرابة الدم ...فجميع الحيوانات هدفها النجاة والتي تتفوق في هذا المجال فهي التي تبقى وما عدى ذلك فإنه ينقرض ومن هنا انطلق الكثير لنقض نظرية داروين
فلنترك داروين وشأنه الآن
فبغض النظر عن دوامة التطور فإننا نختلف عن الحيوان بمسألة الإبداع بينما يتفوق علينا بمسألة الإتقان فهو يقوم بعمله على أكمل وجه بدون كسل أو تردد ... فهو يعرف واجبه ويقوم به بصورة "حيوانية", وهذا ما مكن الحيوان من البقاء... بينما يختلف الإنسان كثيراً


فعلى مدى القرون, تميز الإنسان بالإبداع الروحي... الإبداع الفني, الإبداع والأخلاق والتواصل والحب والتضحية وكل ما نطلق نحن عليه "القيم", هو ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات فهذه الروح التي يتمتع بها, روح التضحية في سبيل معتقداته, فهو مستعد للتضحية بروحهوهو دائماً يضحي بالمتعة لأجل ما يعتقد من أجله, فترك المحرمات في كافة الأديان, والصلاة والصيام وغيرها وبعد ذلك يصف الإنسان كل هذه التضحيات باللذة الحقيقية والسعادة الأزلية


ربما بدأت تربط الآن ما أقصده بهذا الكلام وبعنوان الموضوع ... ولكن اسمح لي وقبل أن أدخل في صلب الموضوع أن أطرح هذه التساؤلات
لماذا ارتبطت حقيقة أنه كلما زاد المستوى المعيشي والحضارة والرعاية الاجتماعية كلما زادت الجريمة والأمراض النفسية ... والأهم من ذلك حالات الانتحار, سواء كان ذلك في عهد الحضارات الرومانية العظيمة أم في عصور الظلام
 وهذه ملاحظة المفكرين عبر التاريخ وليست حكراً على العصر الحديث
فإذا أتينا للعصر الحديث, في السويد التي تتمتع بأعلى كفالة اجتماعية في العالم (لا أذكر الرقم ولكنها أكثر من 2000 دولار للشخص) وأعلى خدمات للاتصالات بالإضافة إلى التعليم الممتاز والحقوق الكاملة... فلم إذاً تزامنت مع تحقيق أعلى رقم لحالات الانتحار في العالم ؟؟؟
يليها مثيلاتها على الترتيب مثل بريطانيا, ألمانيا , الدنمارك, وأمريكا ومعظم الدول الغربية المتقدمة ترتفع فيها حالات الإنتحار بينما في شعوب شرق آسيا الفقيرة والهادئة تنخفض هذه الأرقام كثيراً ...ولا أريد ذكر الدول الإسلامية الآن ولو أنها داخلة في الموضوع ولكن كي لا يصبح الموضوع عن علاقة الإسلام بذلك _سأتحدث عن ذلك لاحقا_

يبدو أن الجواب واضح ... في الحقيقة الموضوع هو اختصار قصير جداً لكتب عملاقة ودراسات مفكرين وفلاسفة ... أذكر هنا ((علي عزت بيجوفتش)) الرئيس المسلم لجمهورية البوسنة والهرسك وكتابه ((الإسلام بين الشرق والغرب))
وبالرغم ما يحصل عليه من أبناء الحضارة من متع جسدية كثيرة, إلا أنهم أكثر الناس يعانون نفسياً
حاجة الإنسان وإحساسه بل وحبه لجماليات عناصر الحياة الروحية هي العنصر المفقود في هذه الدول ... لنرجع مرة أخرى للحضارة والدول
فسنجد أن مصطلح "العلم" منفصل تماماً عن مصطلح "الثقافة", وهناك العديد من الأمور التي يخلط الناس بينها وهي متناقضة كل التناقض , العلم ضد التأمل, الحضارة ضد الثقافة, التطور ضد الفن ولكل واحدة منها ستجد بدراسات مفصلة هذا التناقض الواضح
فعلى سبيل المثال , نحن لازلنا نستمتع بأقدم المنحوتات والرسومات القديمة, وبالرغم من تطور أدوات الفن إلا أن الفن كإحساس لم يتغير... والدليل هو بحث جميع متذوقي الفن عن الفنون القديمة, والاستمتاع بها,حتى في فنون الرسم على الجدران التي قد يضحك عليها طفل في السابعة من عمره,ولكن لأنها تنقل لهم الحالة النفسية للفنان كما كانت في عصره فيعيش معها المتذوق لحظة وبساطة ذلك العصر
بينما لو نقدنا هذه الأعمال بشكل علمي, فإنها "قد" تكون أضعف بكثير من بعض الأعمال الحديثة ...
لذا يمكن القول :
أن قيمة الأعمال الفنية القديمة, لم تتغير فنياً
ولكن تغير فيها استخدام الآلات الحديثة والتي قد تضفي المزيد من النكهة
ولا يمكن مقارنة أعمال بعض الفنانين الهواة في هذا العصر بكل آلاته المتطورة برسومات دافنشي, ولا بمعزوفات بتهوفن, فإذاً ما يهم بالفن, هو روح القصة, روح الأغنية, ولا يهم ما إذا تماشت مع العصر الحديث أم لا وثقافته ... ببساطة نحن نحب الفن لأنه يلمس مشاعرنا الإنسانية في الداخل , في نصفنا الغير عملي, الداخلي, الروحي, بحثنا عن حقيقة الوجود, بحثنا عن الحب, أو عن هدف حقيقي نعيش لأجله, سمه ما شئت, هو الأمر الذي يميزنا عن الحيوان  وقد نجح عظماء الفن بتقديم العمل الذي يحقق هذا المطلب الذي نريده
صورة لأحد رسومات الكهوف القديمة


نأتي لقدرة البدو على استخدام التراكيب اللغوية المعقدة في الشعر, وحتى في حديثهم العادي, واستخدام التشبيهات والمقارانات, واستخدام الجمل المفيدة والنقاش بشكل منطقي والاستشهاد بالشواهد بالرغم ما نتهمهم به من جهل, يجعلك تشعر بمعنى الثقافة بالرغم من جهلهم العلمي

فالحكمة, التضحية, المبادئ, الأخلاق, الفن وكل ما يمكن أن ندعوه : "تطور الإنسان من جانبه الإنساني" وليس الجانب الحضاري
بينما إذا أتينى إلى أهل المدن, فإننا نجد التدني الواضح للجانب الإنساني, إذا أخذنا الشريحة العامة منهم, فإننا سنلاحظ, التحليلات الغبية المبنية على كلمتين سمعها الشخص في التلفزيون أو الراديو, سنلاحظ أيضاً عدم قدرة أهل المدن على التعبير في كثير من الأحوال ... فعلى سبيل المثال, فلنأخذ البدوي الذي يتمتع بجلافة وقسوة شديدتين, ونتهمه بأنه عديم الإحساس والمشاعر سنجده يتفنن في الغزل مع محبوبته, بينما تصعب على الإنسان المرفه والناعم من أهل المدن إيجاد أكثر من كلمة لوصف الحب,أو ربما كلمة سمعها هنا أو هناك عبر الإذاعات, وحتى إن كان البدوي لا يسمع الشعر, فإن مجرد ترحاله ورؤيته للطبيعة وتأمله لساعات في "الفلا", وجلسات السمر في ليالي الشتاء الباردة, ستنمي عنده ذوقاً وإحساساً, قد لا يفهمه أو لا يشعر به الإنسان المتمدن  

فما ما يتمتع به الإنسان القديم, من روحانيات وإن كان بعضها أديان خرافية, تجعل لحياته معنىً وقيمة, وقدرته على التأثير, وحرية التعبير, بل وحتى حرية التفكير التي حرم منها أبناء الشعوب المتحضرة, بما يواجهونه من أفكار وحلول جاهزة تنقل إليهم عبر وسائل الإعلام,, وإيصال شكلهم بشكل وهمي عبر "الفيس بوك" ليسمع أصدقاؤهم فقط بما يدور 

ولنكن واقعيين, ما معظم "الستاتس" التي يضعها الناس في "الفيس بوك", ولنتكلم عن المستخدمين اللذين ندعوهم "مثقفين" من الغربيين, معظمها أخبار بشتى صورها_وإن كانت مهمة فهي لا تمثل هذه الإنسانيات التي نتكلم عنها_ أو أخبار شخصية تافهة, إن اكترث بها أحدهم فإنه سيضغط على الزر"أعجبني" ,, ومن يستفيد من هذه المواقع يستفيد من المنشورات والفيديواهات (علمياً) وليس (ثقافياً) في الغالب

من في هذا العصر سيجد موقفاً ليقف ويقول:"من أراد أن تثكله أمه فليتبعني خلف هذا الوادي"؟ ومن سيجد أن قبيلة بأسرها ستثأر لأجله إذا انتهك دمه, أو ماله_لست هنا لأدافع عن القبلية ولكن لا تخبرني أن هذا هو نفس القوانين التي تحمي الشخص في العصر الحديث _ إذا وجدنا مثل هؤلاء الأشخاص في عصرنا الحالي فستجدهم أبناء مناطق أو قرى قبلية غير متحضرة, فهناك يشعر الإنسان بقيمته واستقلاله, ليست قيمته كجزء أو كطوبة من المجتمع, بل قيمته كإنسان بشكل مستقل, فهو مكرم وعزيز لمجرد أنه إنسان

ففي نظام القبيلة مثلاً, كل شخص محمي لشخصه, فلا حاجة هنا لشرطة ولا لأمن, فالفضيلة _والفضيلة وحدها_ وبقية الأخلاق  والأعراف دليلاً للمسالم, ورادعاً لمعتدي. فأنت لن تتعدى على "شرف القبيلة"  لا لأنك خائف من القوانين, بل بسبب أنك تؤمن بقيمة اسمها شرف القبيلة

ربما لم تصل الصورة بشكل كامل, وأتمنى أن المثال التالي سيوصلها, وبالمناسبة فكرة المثال ليست من عندي بل لأحد المفكرين _بتصرف_
ففي جميع اليوتوبيات ((الطوبيا - الدول الكاملة)) التي فكر فيها المفكرين
سيتم توفير لأبناء هذه الدولة المتطورة أموراً جبارة كاملة, بالإضافة لحق التعليم الممتاز لكل شخص, فله حقوق الحماية الكاملة, والاتصالات والإنترنت والاقتناء وتوفر له كافة مطالبه وشهواته الجسدية بأعلى مواصفات, فالجميع يأكل أشهى أنواع الأطعمة التي يقوم بتقديمها أبناء معسكر الطبخ, والجميع يركب أرقى المراكب التي يصنعها أبناء معسكر المراكب ... إلخ



فلنفترض أن أحد الدول توصلت إلى تكنلوجيا متقدمة جداً, وأصبح بالإمكان اختيار الجينات بدقة لكل إنسان, فاجتمع العلماء لتصميم نموذجين مثاليين للخريطة الجينية, ذكر وأنثى, وبعد ذلك قاموا بزراعة اللاقحة في رحم الأمهات بشكل عشوائي, ليتم بعد ذلك توليد آلاف من البشر, كلهم بنفس المواصفات, متمتعين جميعهم بالقوة والذكاء وسرعة البديهة, وباختصار, إنسان كامل لكل المواصفات. وبعد ذلك يتم أخذ هؤلاء "الكاملين" من أمهاتم, فلا حاجة لأن تعرف الأمهات ابنها, فهذه العاطفة تؤثر سلباً, وكل ما على الأمهات فعله هو إنجاب المزيد من الكاملين, فلا إعاقات هنا ولا تشوهات, وإن حصلت هذه الإعاقات (ولن تحدث) فسيتم قتل الإعاقة والتخلص منها فهي لا تليق باليوتوبيا
ومن ثم يتم تصنيف هؤلاء البشر ضمن أرقام , ونقلهم إلى معسكرات متخصصة لتدريب كل شخص منذ الطفولة بما يتناسب مع احتياجات الدولة, فهناك معسكر للطب, ومعسكر للحرب ... إلخ

ماذا سنقول في وجه مثل هذا المشروع؟؟؟ وإن أيده البعض, سنقول عنه أنه مشروع وحشي, لا إنساني, وهو يخدم مصلحة الدولة نعم, ولكنه لا يخدم مصلحة الفرد, سيشعر أنه "روبوت" متحكم به ليخدم هذه المنظومة الضخمة, مهما قدمت له هذه المنظومة من متع جسدية أو مادية.
تماماً نقول كذلك عن عمليات التطهير العرقي للهنود الحمر عندما دخل الأوروبيون أمريكا الجنوبية عن أنه عمل لا إنساني بالرغم من أنه خدم مصلحة الدولة مادياً واستراتيجياً.
بالطبع هذا المثال لا ينطبق على الدول الحالية, ولكن إذا فكرنا ملياً بالأمر, فهو تضخيم لصورة ما نراه في الدول المتقدمة الغربية التي تعطي حقوق كاملة للمواطن ولكنها لم تعطه متعه الروحية, الدينية منها وغير الدينية, وذلك بجعل الدولة منظومة لخدمة ذاتها ووجودها على الأرض, وخدمة مصلحة الفرد قبل الدولة ماهي إلا وهم صدقه الكثير

في النهاية سأختم بمقولة أحد المفكرين
لقد انفصل الناس عن بعضهم البعض بجدران من المسلح سدت الطريق أمام التواصل والحب, وهزمت الطبيعة باسم التقدم

وكخلاصة, بشكل عام, فالإنسان متلهف لشهواته الجسدية بشتى أنواعها, ولكنها في الحقيقة لا تعني له شيئاً على الصعيد النفسي فهي شهوة يريد أن يسد فراغها وينتهي, ولا يعرف ماذا يفعل بعد ذلك, ولكنه يجد راحة في الغموض, والمعتقدات, والفن والأديان, ما يفسر له وجوده وما يجد فيه هدفه الذي يعيش لأجله, وجميع هذه العوامل الروحية محاربة بشكلها الحالي للدول المدنية الحديثة مما نلاحظ انعدام الأهداف الروحية, ضعف الروابط بين الأسر, حالات الانتحار, عدم القدرة على التعبير, حصر التفكير في مجال  الإنتاج والعمل وابتكار الآلات والتقنيات, بما يخدم الدولة والمجتمع ولكنه لا يعبر عن الوجود الإنساني للشخص وشعوره بقيمته كشخص مستقل, كإنسان منفصل له بصمته المميزة ليست في إبهامه فقط, وإنما بصمته في التأثير والتغيير ومحبة الآخرين له

ولا أحتكر هنا الإجابة على سؤال الموضوع, لك هنا حرية التفكير والمناقشة...